محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قالوا : فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة . قالوا : وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها . قالوا : ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة ، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط ، وأن يرزق ساكنه من الثمرات ، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " . قالوا : وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته ، وهو غير ذي زرع ولا ضرع ، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا ، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه . قالوا : وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم ، وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه ، وهو القائل - حين حله ، ونزله بأهله وولده : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) [ سورة إبراهيم : 37 ] ؟ قالوا : فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه